الأحد، 5 سبتمبر، 2010

الفلسفة والدين



جدلية الفلسفة والدين


كتبهاخالد المحجوبي ، في 2 أغسطس 2007 الساعة: 18:09 م

عضو هيئة التدريس بجامعة الجبل الغربي / غريان




جدلية الفلسفة والدين


دراسة في طبيعة ،ودوافع ،وآثار المنهج التوفيقي عند فلاسفة الإسلام
====================================================
مدخل تمهيدي:


انطلقت الفلسفة العربية الإسلامية انطلاقةً مسالمةً مهادنةً أمام الدين ، بل كانت انطلاقتها متطامنة إلى حدٍ جاءت فيه مسخرةً لخدمة الدين ، لاسيما من خلال علم الكلام الذي هو الخطوة الأولى للفلسفة العربية الإسلامية .


فعلم الكلام هو أول ساحة تشهد صولات دقيقة للعقل المسلم على نحو مجرَّد قبل الدخول إلى أعماق ساحات الفلسفة ، أعني ساحات الإبستمولوجيا ، والانطولوجيا ، والأكسيمولوجيا ،


ففي مرحلة علم الكلام " انصرف اللاهوت إلى استخدام الأقيسة المنطقية، والمحاكمات الفلسفية للذود عن التوحيد " [1]


وبعد تجاوز مرحلة علم الكلام تطور النظر الفلسفي عند المسلمين فشمل تراث الإغريق ، والهند ، وفارس ، فوقع بين أيديهم وتحت أنظارهم نظريات وأفكار صادمة لكثير مما قرره النقل الديني ، ذلك النقل الذي كان من القوة بمكان عالٍ ؛ جعل فلاسفة المسلمين ينحوْن تجاه اعتمال منهج توفيقي بين الفلسفة ، و الدين ،وبتعبير ابن رشد بين الشريعة ، والحكمة .


وقد سيطر هذا النهج التوفيقي على الفلسفة الإسلامية سيطرة شاملة ، من لدن الكندي مرورا بالفارابي وابن سينا ، وصولا إلى ابن تيمية. مع التحرز في وصف هذا الأخير الفلسفة يظهر لي أن ذلك النزوع التوفيقي ما هو إلا شكل لاستراتيجية بقاء ، أو خطة لاستمرارية الحياة ، لكثير من أصحاب العقول المتحررة عن القيود و ضوابط ووثوقيات الدين، من الذين أخفتوا ولم يصّرحوا بمخالفة تلك الضوابط والوثوقيات المحملة وسط النص المقدس الإسلامي، سواء في الحديث الإلهي، أو الحديث النبوي.


إن قضية التوفيق بين الدين، والفلسفة هي من شواغل التفكير القديم والحديث سواء في الساحة الإسلامية ، أو الساحة اليهودية، أو المسيحية ، فقد انشغل بها فلاسفة من أوربا المسيحية لعل أشهرهم (سبينوزا) الذي كتب كتاباً شهيراً هو : (رسالة في اللاهوت والسياسة) ، ليبحث فيه جدلية الفلسفة والدين ، وبتعبير آخر : جدلية العقل واللاهوت .


وقد خرج (سبينوزا) بنتائج منها وجوب الفصل التام بين كلا الطرفين وبتْر كلّ وشيجة قد تربطهما ،وقال بأنْ لا صلة تقرنهما ، وأن كلاً منهما يمثّل طريق سعادة لأهله ، كلٌ في مجاله فلا يعارضه الآخر في شيء . ([2])


وقد وجدنا في تراثنا الإسلامي رأياً مشابهاً لما ذهب إليه (سبينوزا) ذلك الرأي هو الذي تتباه بشدة ( أبوسليمان السجستاني) الذي أوجب الفصل التام بين الطرفين كليهما ، لما بينهما من اختلاف متجذّر في: الغاية ، والطبيعة ، والمصدر .([3] )


وقد قدم السجستاني نقدا لاذعاً لمنهج إخوان الصفا ، رافضاً نزوعهم التوفيقي فقال فيما حكاه عنه التوحيدي : ((تعبوا وما أغنوا ، ونصبوا وما أجدوا، وحاموا وما وردوا ،…ونسجوا فهلهلوا …ظنوا ما لا يكون ولا يمكن ولا يستطاع .ظنوا أنهم يمكنهم أن يدسوا الفلسفة …في الشريعة، وأن يضموا الشريعة للفاسفة .وهذا مرام دونه حدد ))([4])


وبرغم ذلك ظل الرأى السائد أن لاتعاض بين الفلسفة والدين وأكد أكثر الفلاسفة المسلمين عدم إمكانية حدوث ذلك الضرب من التعارض ([5]) وكتبوا في توكيد هذا المذهب الكثير .


إن النظر في الفلسفة الإسلامية يوكد أن مرتكزها، وهمّها الرئيس كان متشكلاً في تشخيص ومعالجة العلاقة بين النظر الفلسفي، وبين النقل الديني، أو بين الحكمة وبين الشريعة حسب تعبير ابن رشد الذي كتب في ذلك كتابيه الشهيرين: (فصل المقال في تقرير مابين الشريعة والحكمة من الاتصال )و(الكشف عن مناهج الأدلة في عقائد الملة) ، فضلا عن مباحث هامة في كتابه (تهافت التهافت)الذي أكد فيه افتقار الغزاّلي إلى العمق المنهجي ، والاطلاع الفلسفي اللائق.وقد أجهد ابن رشد نفسه فيه ؛ليؤكد انتفاء التعارض بين الدين، وبين الفلسفة العقلية([6])


إن العلاقة بين النظر الفلسفي ، وبين النقل الديني لا تخلومن حالتين:


الأولى: حالة توافق: حيث يحدث توافق وتماثل بين بعض العقائد الدينية ، وبين بعض النتائج الفلسفية ، كالقول مثلا بوحدة الخالق ، وحدوث العالم ، وثنائية البدن والنفس ، وبالوجود الغيبي.


الحالة الثانية: حالة تعارض: حيث يحدث تصادم عصيّ عن الاجتماع بين نظرات فلسفية ، ومنقولات دينية ، كقول كثير من الفلاسفة أن عملية الخلق هي قائمة على صدور أو فيض ، لا على إيجاد من عدم . وكالقول بأزلية النفس .وقد جمع الغزّالي كثيرا من هذا الباب في كتابه تهافت الفلاسفة الذي حوى كلامًا فيه صواب وخطأ ، وخلط وترتيب ،ووضوح وغموض . وقد نبه إلى معايبه ابن رشد في رده عليه ، وكذا ابن طفيل في مقدمة كتابه( حيّ بن يقظان).


لقد كانت الحالة الثانية أكبر موجه ومؤثر في مناهج ، ومناتج وطبيعة الفلسفة العربية الإسلامية ، لاسيما بعد حملة الغزّالي على الفلاسفة في كتابه (تهافت الفلاسفة ).


من الواقع قولنا إن الفلسفةالتي تلقاها المسلمون جاءت محملة بآراء واهية فارغة، أقرب إلى الخيال منها إلىالواقع ، لذلك قال محمد عبد الرحمان مرحبا ((انقلبت الفلسفة متحفا تتراكم فيه أكداس الاستنتاجات والفروض والأوهام)).([7])
كان من اللافت للنظر أن أكثر فلاسفة المسلمين هم من المطلعين على علوم الدين ومباحثها .وهنا يسنح سؤال يقول:


ألم تكن للعقول الإسلامية كفاية واغتناء بما حملته النصوص الإسلامية المقدسة من معارف دينية ، فضلا عما توفر من مباحث وعلوم لغوية وبيانية ؟


الواقع أن العقول الإسلامية لم تكن ذات منهج واحد ولا عمق موحّد ولا إمكانيات متكافئة ؛ لأن هاته العقول ذات مرجعيات متباينة ،وطبائع متخالفة ، وأرصدة معرفية متفاوتة القيمة والعمق .


ففيها العقل العربي ، والعقل الفارسي ، والعقل الهندي والتركي. كل هذه العقول انصهرت وكوّنت ما نسميه هنا بالعقل الإسلامي ، كل ذلك قدم واقعا مفاده أن العقول الإسلامية المنتجة للفكر الإسلامي ، لم تتخذ موقفا واحدا من جهة الاكتفاء أو عدمه بالمعارف الدينية والبيانية اللغوية .فتكون فريقان رئيسان هما :


1- فريق أعلن اكتفاءه بالمعارف الدينية واللغوية ومباحثها ، وأعلن الخصومة والتوجس لكل ما عداهما ، وهذا ظاهر في مواقف كثير من الأعلام أمثال :ابن قدامة ، وابن رجب الحنبلي ، وابن الصلاح ، وغيرهم . وقد كان مصدر التوجس ماثل في الميراث الإغريقي الذي استشرى بعد عمليات الترجمة العربية ، من لدن خالد بن يزيد الأموي .


2- فريق لم يكتف بتلك المعارف ؛ فتوجه إلى المباحث والعلوم العقلية ، والفلسفية والعلمية ، فاتحاً كل الأبواب المعرفية المتاحة في ندحة عن التوجس من اقتحام الجديد ، وبعد عن التخوف من تفتيق أبكار العلوم العقلية واستكناه غياباتها.


يخبرنا تاريخ الفكر والفلسفة أنه حيثما خلت الساحة من الدين ؛ فالفلسفة ستنطلق لا تراعي ، ولا تواري ولا يحدها حد. وحيثما وجد توازن بين الفلسفة والدين فالمنهج التوفيقي سيفرض نفسه .


هذا ما يوكده لنا تاريخ الفكر والعقل الإنساني، فالفلسفة الإغريقية، وجدت في فضاء اجتماعي ومعرفي خال من الدين وآثاره ، حيث لم يعرف الإغريق طوال القرون الستة الأولى قبل المسيح دينا ًولا عقائد سماوية ؛ فكان المجال مفتوحا للعقل الخالص ؛ لينظر ، ويحلل ، ويتوهم ، ويهذي ، ويهدي ، وينسج ، ويخلط ، ويصيب ويخطئ ، بعيدا عن أي هداية إلاهية أو إرشاد سماوي .


لكن الأمر اختلف في ساحة الفلسفة الإسلامية ثم ساحة الفلسفة الأوربية الوسيطة ، حين كان الدين حاضرا في منظومة عقدية ، وتوليفة اشتراعية واضحة ن لم يستطع الفلاسفة اطّراحها ، ولا صدامها؛ فاصطنعوا منهجهم التوفيقي. هذا ما نراه جليا عند أمثال الكندي ، وابن سينا وابن رشد مثلا عند المسلمين . وعند أمثال (توما الاكويني 1274م )، وأستاذه (ألبير الكبير1280م) لدى النصارى في العصور الوسطى.


أما حين انحسر نفوذ الدين في أوربا وغابت الكنيسة وطغا سلطان العلمانية الشاملة تحرر الفلاسفة المعاصرون من المنهج التوفيقي ؛ فعاد العقل الفلسفي ليسرح ويصول بلا هاد ولا مرشد من وحي سماوي أو إرشاد إلاهي ؛ فظهر مثلا: نيتشة ،وديفيد هيوم، وبرت راند رسل .


إن النظر في الفلسفة الإسلامية يوكد أن مرتكزها وهمّها الرئيس كان متشكلاً في تشخيص ومعالجة العلاقة بين النظر الفلسفي، وبين النقل الديني، أو بين الحكمة وبين الشريعة حسب تعبير ابن رشد الذي كتب في ذلك كتابيه الشهيرين (فصل المقال في تقرير مابين الشريعة والحكمة من الاتصال )و(الكشف عن مناهج الأدلة في عقائد الملة) ، فضلا عن مباحث هامة في كتابه (تهافت التهافت)الذي أكد فيه افتقار الغزاّلي إلى العمق المنهجي ، والاطلاع الفلسفي اللائق.([8])




حالتي التقابلية الفلسفية والدينية:


إن العلاقة بين النظر الفلسفي وبين النقل الديني لا تخلو من حالتين :


الأولى: حالة توافق: حيث يحدث توافق وتماثل بين بعض العقائد الدينية ، وبين بعض النظرات الفلسفية ، كالقول مثلا بوحدة الخالق ، وحدوث العالم ، وثنائية البدن والنفس ، وبالوجود الغيبي.


الحالة الثانية: حالة تعارض: حيث يحدث تصادم عصي عن الاجتماع بين نظرات فلسفية ، ومنقولات دينية ، كقول كثير من الفلاسفة أن عملية الخلق هي قائمة على صدور أو فيض ، لا على إيجاد من عدم . وكالقول بأزلية النفس .وقد جمع الغزالي كثيرا من هذا الباب في كتابه تهافت الفلاسفة الذي حوى كلاما فيه صواب وخطأ ، وخلط ونقص ،ووضوح وغموض ، وقد نبه إلى معايبه ابن رشد في رده عليه ، وكذا ابن طفيل في مقدمة كتابه( حيّ بن يقظان). لقد حفلت الفلسفةالتي تلقاها المسلمون بآراء واهية فارغة لذلك قال محمد عبد الرحمان مرحبا((انقلبت الفلسفة متحفا تتراكم فيه أكداس الاستنتاجات والفروض والأوهام)).([9])


لقد كانت الحالة الثانية أكبر موجه ومؤثر في مناهج ومناتج وطبيعة الفلسفة العربية الإسلامية ، لاسيما بعد حملة الغزّالي على الفلاسفة في كتابه (تهافت الفلاسفة )


حوافز التفلسف لدى المسلمين






إن في استعمال التفلسف لإنتاج فلسفة ، استجابة لدافع فطري توطّن عقل الإنسان لا يمكنه – حال سلامته – الكفّ عن التفكير والتأمل والتدبّر ، وقد كان هذا الحال شاملاً للعقل الإسلامي الذي استقوى لديه النزوع إلى التفلسف بوجود حوافز أراها ماثلة في النقاط التالية


1- العامل الأول : حثّ النصوص المقدسة على التفكر والتدبر والتأمل والنظر والتعقل ، إن كل هاته المصطلحات هي عمليات عقلية دعا القرآن إلى توظيفها وتفعيلها وذلك ما نجده في مثل قوله تعالى }قل سيروا في الأرض فانظروا كيف بدأ الخلق } سورة العنكبوت .الآية 20


وقوله }قل انظروا ماذا في السماوات والأرض } يونس 101


وقوله }أفلم يسيروا في الأرض فتكون لهم قلوب يعقلون بها }الحج 46


وقوله }أفلم ينظروا في ملكوت السماوات والأرض }الأعراف 185


وقوله }…والنجوم َ مسخرات بأمره إن في ذلك لآيات لقوم يعقلون}النحل 12


إن وجود مثل هذه النصوص شجعت ابن رشد ليجزم بأن الشريعة أوجبت النظر الفلسفي ، واستعمال البرهان المنطقي [10].


إنها نصوص تدعوا الإنسان لاستثمار إمكانياته العقلية ، لا سيما في مجالي : الوجود ، والمعرفة ، فضلا عن مجال القيم الذي خصص له القرآن حيزا غير صغير .






2 - العامل الثاني : غزارة المادة الفلسفية المتاحة بعد نشاط عملية الترجمة والنقل عن الثقافات الإغريقية والفارسية والهندية .


فقد شكّلت هاته المادة الفلسفية جرعات مقوية ومحفّزة للعقل المسلم ، كما شكلت منطلقات وساحات مناسبة للممارسة الفلسفية بعد أن كان العقل العربي معتقلاً ، ومفتقراً إلى ساحات ومنطلقات من هذا القبيل قبل الثورة القرآنية والثورة الترجمية الانفتاحية .


3 - العامل الثالث : فتح المجال للحرية الاجتهادية ، فقد ساد في القرنين الثالث والرابع الهجريين – خاصة – مناخ علمي تسامحي أتاح للعقول التلاقي ، وللفهوم التلاقح ، وللثقافات التواصل ، وللأمم النواشج .


كل ذلك أتاح المجال لظهور عقلية متفلسفة قادرة للهضم الفكري ومؤهلة للإنتاج العقلي .




( مقدمات المنهج التوفيقي بين الفلسفة والدين )






- ظهور التفلسف .


لم يكْلف المسلمون في قرونهم الأولى ببعض المعارف والفنون فأعرضوا عنها ، لدواعي كثيرة ، لعل أهمها تأثير التدين ومقتضيات ظواهر النصوص المقدسة [12]، كما يبدو لي منها الطبيعة الشخصية للإنسان العربي لاسيما الأعرابي وفطرته المزاجية المتشكلة في مناخ الصحراء ، وبيئة الصراع اليومي مع الطبيعة والإنسان كل أولئك كان من دواعي إهمال المسلمين الأوائل لعدد من المجالات الأدبية والفنية والإبداعية كالنحت والنقش والرسم، كل هذا كان من المهلات في أوائل العصور الإسلامية برغم توفره ضمن ما حصله المسلمون من تراث الإغريق خاصة ، لكن المسلمين لم يهملوا الفلسفة ، ولم يعرضوا عن التفلسف فلماذا لم يكن موقفهم من الفلسفة مطابقاً لمواقفهم من غيرها ؟


أقول هنا : إن التفلسف هو استجابة لشهوة عقلية قاهرة ، ليس من الممكن قهرها فهي شهوة فطرية سارية في بنية العقل الإنساني سرياناً مكيناً راسخاً ، يخرج عن الطوق وقفه.


إن تلك الشهوة العقلة لا تقنع بالأحكام والنظريات الجاهزة النهائية على النحو الذي نجده في المنظومة الدينية فالمنظومة الدينية تقدم معارفها وتطلب الموافقة المباشرة غير المشروطة وبلا اعتراض لأن الاعتراض سيكون – حينها – مُروقاً عن منهج الإيمان الديني القائم على تحقيق التسليم المطلق في ظل اليقين إن العقل الإنساني بفطرته الفضولية وشهواته المعرفية لا يسلم بهذا النوع من المناهج اليقينية الوثوقية إلا في حالة تدخل إلهي مباشر يكبت ذلك الفضول، ويقمع تلك الشهوة، ويحل محلها ما يسمى بالهداية أو بالإيمان، هذا النوع من الإيمان هو الذي يدأب المسلمون على طلبه بصيغ كثرة منها (( اللهم ثبت الإيمان في قلبنا )) كما علمهم الله تعالى أن يقولوا بعد حصول الإيمان (( الحمد لله الذي هدانا لهذا)) وأن يقولوا (( ربنا لا تزغ قلوبنا بعد أن هديتنا ))






دواعي التوفيق بين الفلسفة والدين






إن ذاك النزوع التوفيقي جاء مدفوعاً بعد د من الدواعي والدوافع التي جعلت فلاسفة المسلمين ينتهجونه. أما تلك الدواعي فأراها ماثلة في كل من النقاط التالية :


1- اتقاء سخط العوام وسطوة الحكام


2- إدراك الفلاسفة لمحدودية العقل والقدرات العقلية ، ونسبية معارفه .


3- قوة المنظومة الدينية الإسلامية ومتانة طروحها العقدية والتشريعية .


إذاً شكلت هاته النقاط الثلاث دوافع ودواعي العملية التوفيقية التي انتهجها فلاسفة المسلمين بين العقل والفلسفة ، من جهة ، وبين الإيمان والدين من جهة أخرى .


وفيما يلي سأعرض تفصيلاً لكل دافع من هذه الدوافع الثلاثة


الأول :- اتقاء سخط العوام وسطوة الحكام :-


حين نتصور حدوث صراع بين الفلسفة ، والدين في المجتمع الإسلامي ، فيجب أن نضيف إلى تصورنا أن المعركة ستحسم منذ بدايتها لصالح الدين ؛ لأن ذلك المجتمع الإسلامي في غالبه الأعم مجتمع متدين ، تسوده عقلية لاهوتية اتّباعية متطامنة للدين ومقتضيات التدين .


إذاً " كان الدين عاملاً أقوى في منافسة الفلسفة ، وأكثر منها شعبية " [13] لا جرم أن كانت الشعبية الواسعة للدين غير سامحة بوجود منافس فضلاً عن وجود معارض ؛ لأجل ذلك لم يكن ممكناً نصبُ الفلسفة صنواً معارضاً للنقل الديني ،لأنها ستكون مواجهة فاشلة، بل محسومة النتائج من بدايتها في مجتمع كالمجتمع الإسلامي في العصر الوسيط .


لقد فرض هذا الواقع نفسه على الفلاسفة واقتضى منهم السير في طريق توفيقي يحفظون به حياتهم وأفكارهم .


وقد كان من أشهر الجماعات التي سارت على طريق السرية اتقاءا اسطوة الحكام والعوام جماعة إخوان الصفا التي نشأت نحو سنة 334هـ في البصرة .






كانت هاته الجماعة مثالا ظاهرا للنزوع التوفيقي حيث رأوا –كما يقول التوحيدي – انه ((متى انتظمت الفلسفة الاجتهادية اليونانية ، والشريعة العربية فقد حصل الكمال ))[14]


كما ورد عنهم قولهم ((مذهبنا يستغرق المذاهب كلها ))[15]. بل قد توسعوا في الاتجاه التوفيقي إلى الدعوة إلى التوفيق بين الأديان كلها ، لا بين الفلسفة والدين الإسلامي الذي سموه بالشريعة العربية .


وعلى كل وضع ظلت هاته الجماعة سرية أمام سطوة الحكم وحدة سيفه . وإلى جانب مكا مثله أهل السلطة من قوة قامعة وردع رادع ، وجدنا العوام في اللامجتمع الإسلامي لا يقصرون في قمع الفكر الجديد ، والفلسفة المتطرئة على فهومالمسلمين وكثيرا ما نكب مفكرون وفلاسفة بسبب الجهل الشعبي ، والتخلف العوامي . لذلك كان ما الإجراءات الحكيمة غجتناب إشاعة الفلسفة ، وترك إذاعة تدريسها بين العوام . وفي هذا السياق عرف التراث الإسلامي مصطلح ( المضنون به على غير أهله ).


من هنا وجدنا مثلا ابن رشد 595هـ يحرم الكلام مع الجمهور في مسألة علم الله من الناحية الفلسفية ، ويعد ذلك بمكانة إعطائهم السمّ ، وإن كان غذاء لغيرهم [16]. كما قال((الإفصاح بالحكمة [أي الفلسفة]لمن ليس باهلها ، يلزم عن ذلك بالذات إماإبطال الحكمة ، وإما إبطال الشريعة ن…والصواب كان ألاّ يصرح بالحكمة للجمهور ))[17].


كذلك نلقى ابن ميمون الأندلسي 1204ميدم مثالا لمن يعرض المسائل الفلسفية الدقيقة على الجمهور والعوام فيقول ((إني لا أقارن هذا إلا بمن يجعل طفلا رضيعا يأخذ من خبز الحنطة ، ويشرب الخمر ، فإنه يكون سببا في ضرره بلا ريب وليس هذا لأن ما تناوله هو من الأطعمة والأشربة الضارةوالرديئة والمضادة لطبيعةالإنسان ،ولكن لأن الذي تناول منها هو أضعف من أن يهضمها ويفيد منها))[18].


وفي السياق ذاته يخبرنا التوحيدي ان رؤوس الفلسفة في وقته كانوا حذرين من تسرب مباحث وآراء الفلاسفة إلى العوام ، مما لا يظهر توافقه مع الشائع من أحكام الدين [19]


كل ذلك استند إلى واقع التفاوتات في عقول الناس والتباينات في فهومهم ؛ وهذا ما دعا بعض الفلاسفة تقسيمات طبقية على المستوى المعرفي ، من ذلك تقسيم أبي سليمان السجستاني ، ا لناس إلى [20]:


1- طبقة العامة : وهم الذون ليس لهم أن يتصلوا بالحكمةوغرائب الفلسفة ؛ لرداءة عقولهم ، وضآلة معارفهم .


2- طبقة الخاصة : هم الذون يحق لهم البحث فيما يشاؤون ولهم من فضائل ا لنفس ما يعصم عن الضلال .


ثانيا : أما الدافع الثاني من دوافع النزوع التوفيقي بين الفلسفة والدين فهو:


إدراك الفلاسفة لمحدودية ونسبية القدرة العقلية عند الإنسان .


إن من الحقائق الثابتة أن عقل الإنسان ليس مطلقا في مواهبه ، وإمكانياته ، فهو محدود القدرات ، برغم سعة آفاقه وضخامة منجزاته .


في مقابل هذه الحقيقة تسنح حقيقة أخرى هي أنالعلم الإلهي مطلق غير محدود ، فلا حد يحجزه ولا مانع يعيقه، ولاعقل يستوعبه ، هذا الواقع آمن به فلاسفة المسلمين بحكم كونهم متبنّين الديانة الإسلاميةالتي وكّدت وقررت ذلكم الواقع أي نسبية العقل الإنساني ، وإطلاقيةالعلم الرباني .


لم يكن للفيلسوف المسلم سوى أحد خيارين أمام ما قد يراه من تعارض بين الدين والفلسفة . ذانك الخياران هما إما التوفيق ، وإما الترجيح،[21].


الخيار الأول :التوفيق:إنه عمل عقلي يقوم فيه العقل بعقد مصالحة بين طرفين ظهر تعارضهما ؛ فيتم وسط عملية التوفيق إزالة نقاط التعارض وتتقديم تخريجات ومبررات ، تدفع احتمال التناقض ، وظاهر التعارض ، ليتم بعد ذلك الإبقاء على طرفي التناقض من غير التضحية بأحدهما ×؛ فيتم حينها تبني الطرفين كتوأم من بطن واحة حلال غير سفاح. ويكون كل منهما صنواً للآخر في تعاضد لا تعارض .


الخيار الثاني : الترجيح: هو عمل تفكيري يهدف إلى تحديد الطرف الآقوى والأولى بالقبول من بين طرفي التعارض .


فالطرف الذي ينطوي على مسوّغات قبولية أقوى ، وأدنى إلى الإقناع سيكون هو الطرف الراجح أما م الطرف المرجوح الذي تم التضحية به ببهزه والإعراض عنه . هذا هو نتاج عملية الترجيح التي لابد لها من من تحديد طرف مرجوح يتم اطّراحه ، وطرف راجح يتم التمسك به ، للاستناد عليه.


ثالثاً: أما الداعي الثالث من دواعي النزوع التوفيقي فهو:


قوة المنظومة الدينية في الإسلام ، ومتانة عقائدها واشتراعاتها .


تميز الدين الإسلامي بقيامه على منظومة تشريعية متماسكة ركينة ، على نحو غير مألوف في الأديان الفارطة . كما امّاز هذا الدين بتوليفة عقدية متكاملة واضحة المعالم ، برغم بنيتها الميتافيزيقية الخالصة . ونحن نعلم أن العقل المجرد يضيق بالميتافيزيقا ولايرضى مصالحة تربطه بها ،ورغما عن ذلك وجدنا أن ميتافيزيقا الإسلام لقيت نفوذا غير مسبوق لدى العقل الفلسفي الإسلامي ؛ فلم يلفظها ، بل عقد معها قراناً توفيقياً أقره وشهد عليه جمهور فلاسفة العرب والمسلمين.


وقد كان من عوامل متانة تلك التوليفة العقدية أن القرآن المجيد انتهج منهجا بديعاً طارفاً في إقرارها وعرضها ، حيث اعتمد على الحجج العقلية ، بقدر اعتماده على طلبا لإيمان المجرد .


إن من أشهر الأمثلة الموكّدة لهذاك المنهج طرحه لعقيدةالبعث ، حيث أزجى لها براهين عقلية قياسية . لنقرأ –مثلاً – قوله تعالى:{…قال من يحيي العظام وهي رميم ؟ قل يحييها الذي أنشأها أول مرة وهو بكل خلق عليم…}سورة ياسين .الآية 78-79.كما قال {وهو الذي يبدأ الخلق ثم يعيده وهو أهون عليه}سورة الروم .الآية 27.


وفي إقراره لعقيدة الله للإنسان يقول جل وعزّ:{لخلق السماوات والأرض أكبر من خلق الناس ولكن أكثر الناس لا يعلمون }سورة غافر . الآية 57. كما نجد القرآن يربط ربطاً قياسياً بين خروج الإنسان والنبات الذي تخرجه الأمطار فيقول:{والذي نزّل من السماء ماء بقدر فأنشرنا به بلدة ًميتاً كذلك تخرجون }سورة الزخرف. الآية11. وقال :{يخرج الحي من الميت ويخرج الميت من الحي ويحيي الأرض بعد موتها وكذلك تخرجون }سورة الروم .الآية 19.


إن هاته الآيات تمثل عينات لإقرارا لعقائد بمنهج يتواصل مع العقل ، حيث تحيله إلى إجراء قياسات ،ومقارنات بين مظاهر قطعية الوجود ، وبين مطالب عقدية غيبية .


أما فيما يتصل بالمنظومةالتشريعية لهذا الدين ، فقد جاءت قائمة على قواعد متينة ، على نحو إعجازي خارق ليس بمُكنة البشرا لنسج على منواله ، ولا مطابقة أحواله ،من حيث مناسبة أحوال اللمكلفين ، ومجتمنعاتهم وبيئلتهم ،وأحوالهم النفسية ن والحياتية بعامة.


هذا واقع توكّده نظرة مقارنةوموازنة بين اشتراعات هذا الدين وبين ما وضعه الحكماء وفقهاء القانون ،من قوانين وضعية ، سواء في ذلك ما تعلق بالفرد ،والأسرة والمجتمع والأمة ، وصولاً إلى ما يتصل بالجماعة الإنسانية .


إذاً جاء هذا الدين في صورة لم تسمح للعقل الفلسفي المسلم بإحداث قطيعة معه ،فلم يجد ذلك العقل إلا منهج التوفيق والمواءمة بين قوة العقل، ومتانة الدين .


توفيق ، أم محاولة توفيق ؟


لعل الأدنى إلى الواقع أن نصف هذا المنهج بأنه محاولة للتوفيق ، لا أنه منهج توفيق ، لأجل أن ما انطوت عليه الفلسفة الإسلامية جاء في كثير منه غير متوافق مع الدين وتقريراته ، في الوقت نفسه الذي لم يتصادم فيه معه ؛ حيث اصطنع الفلاسفة المسلمون نوعا من المهادنة والمواربة في محاولة ماهرة للتوفيق بين الفلسفة والدين . ثم كانت النتيجة ذهابهم إلى أفكار وآراء فلسفية لا توافق لها مع الدين ، في الوقت نفسه الذي لم تصطدم فيه معه صراحاً.


لكي أؤكد كلامي هذا سأزجي مثالات شاهدية عليه: ([22])


من ذلك أن الفلسفةالإسلامية ضمت القول بأن للأفلاك عقولاً ، وأن تلكم العقول هي الملائكة ، إن هاته النظرية تعارض المفهوم الذي يقدمه الدين للملائكة وخلقتهم.


كذلك وجدنا لدى كثير من فلاسفة المسلمين احتضاناً لنظرية الصدور، والفيض في تفسير عملية الخلق ، حيث يقولون-كما هو عند الفارابي مثلا- بصدور العقل عن الموجود الأول ، ثم صدر عن العقل الأول عقل ثان يسمى الفلك المحيط ، ثم صدر عنه عقل ثالث صدرت منه كرة الكواكب الثابتة، ومنه فاض العقل الرابع الذي صدرت عنه كرة زحل ، ثم الخامس الذي صدر منه المشتري ، وهكذا إلىأن يصدرالعقل الفعال وهو الحادي عشر وهو عالم الكون والفساد والنبات والإنسان …[23] .


إنها نظرية تقتضي انتفاء الفعل الإرادي لله في عملية الخلق ، وتستبعد فكرة الإيجاد من عدم ، وهذا مصادم لما يقرره الدين صراحة ، مقابل ما ورثه كثير من الفلاسفة المسلمين من أفلوطين ،ومن الإغريق من قبله الذين لم يستسيغوا فكرة الإيجاد من عدم.

‏ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق